تنويه: هذا المقال مساهمة شخصية ولا يعبر بالضرورة عن آراء ويجو أو فريق تحريرها.

بعد أن زرتُ عدة مدن في اليابان، بما في ذلك طوكيو وأوساكا وكيوتو، وأمضيت بعض الوقت في شنغهاي، وجدت نفسي محاطًا بالكثير من التأملات والانطباعات. هذا المقال يُشكّل الجزء الأول من سلسلة مكوّنة من جزأين، أتناول في أحدهما الأسباب التي تدفعني لتفضيل الصين، وفي الآخر، ما يجعلني أميل إلى اليابان. ومن الضروري أن أُبيّن أنني لا أفضّل إحدى الدولتين على الأخرى بشكل مطلق؛ فكلٌّ منهما تمنحني تجارب فريدة أقدّرها لأسباب مختلفة. وفي هذا المقال تحديدًا، سأُسلّط الضوء على الجوانب التي تجعلني أفضل الصين، وتحديدًا مدينة شنغهاي، على اليابان.

1. الصين أرخص بكثير من اليابان…حتى في المدن الكبرى!

أنا أتحدث هنا عن مقارنة عادلة بين مدن رئيسية مثل شنغهاي وطوكيو، وليس مدنًا نائية من الدرجة الثالثة. وبناءً على تجربتي الشخصية، فإن كل شيء في شنغهاي، وخصوصًا الطعام، أرخص على الأقل بمقدار النصف مقارنةً بطوكيو.

في المناطق اليابانية التي تزدحم بالسياح، يصبح تناول الطعام خارج المنزل أمرًا مكلفًا. وجبة عادية في إحدى “الإيزاكايا” الشهيرة قد تُكلفك بسهولة ما بين 15 إلى 20 دولارًا أمريكيًا، دون أن يكون ذلك ضمانًا لجودة استثنائية في الطعم. صحيح أن هناك سلاسل اقتصادية مثل  Yoshinoya أو Ichiran، لكنها لا تكفي وحدها؛ إذ لا بد أن تعرف مسبقًا إلى أين تذهب إذا كنت تبحث عن طعام يجمع بين المذاق الطيب والسعر المعقول. أما إن لم تكن تملك هذه المعرفة، فتوقّع أن تدفع سعرًا مرتفعًا لقاء تجربة قد لا ترتقي إلى التوقعات.

في المقابل، تقدم شنغهاي قيمة مذهلة. لقد تناولت وجبات ممتازة في مطاعم جلوس بدءاً من حوالي 5 دولارات أمريكية. وإذا أنفقت 10 دولارات، سأحصل على طعام من أعلى مستوى. ولا أحتاج حتى للبحث مطولاً. فقط توجه إلى أي مركز تسوق، خاصة الطوابق السفلية، وستجد مجموعة من الوجبات بجودة المطاعم وبأسعار معقولة جداً. لقد تناولت بعض من أفضل شيالونغباو ( نوع من الزلابية) في حياتي: ثماني قطع مقابل 4 أو 5 دولارات فقط. القيمة مذهلة حقاً.

2. الطعام الصيني ألذ في الصين،وهو طعام راحة بالنسبة لي!

قد يبدو الأمر غريبًا بعض الشيء، لكنه حقيقي: الطعام الصيني ببساطة ألذ في الصين. لم أكن في اليابان أبحث عن الطعام الصيني، لكن بعد نحو أسبوعين هناك، بدأت أشعر بالحنين إليه. لذا، عندما وصلت أخيرًا إلى شنغهاي، شعرت بسعادة حقيقية لعودتي إلى مكان يمكنني فيه تناول xiaolongbao (شيالونغباو – زلابية بالبخار محشوة بالمرق)، ونودلز لحم البقر، وxiaokao (شاوكاو – أسياخ الشواء)، وhotpot (الهوت بوت أو القدر الساخن)، وكلها أطعمة تبعث في نفسي الراحة باعتباري صينيًا من سنغافورة.

ولم يكن الأمر متعلقًا بالمذاق فحسب، بل بالسعر أيضًا. كنت أستطيع تناول الطعام خارج المنزل يوميًا من دون أن أقلق بشأن الميزانية. غالبًا ما كانت الوجبة في شنغهاي تكلّفني نحو 10 دولارات أمريكية، لكن هذا المبلغ كان يكفيني لطلب طبقين إلى ثلاثة، وليس طبقًا واحدًا فقط. وإذا قصدت مطعمًا شعبيًا بسيطًا من دون أي رفاهية، من النوع الذي يُقابل الإيزاكايا اليابانية، فقد أنفق دولارين أو ثلاثة فقط لقاء وجبة مُشبعة ومرضية. الجودة كانت ثابتة دومًا، ولم أشعر قطّ بأن عليّ خوض “مطاردة طعام” لأجد شيئًا يستحق التجربة.

أما في اليابان، فكان تناول الطعام خارج المنزل غالبًا مهمة مرهقة. العديد من الإيزاكايا في المناطق السياحية بدت باهظة الثمن، إذ كانت تكلفة الطبق الواحد أحيانًا تتراوح بين 10 إلى 15 دولارًا أمريكيًا، من دون أن يكون الطعم مميزًا على الإطلاق. بدأت التجربة تُشبه لعبة تخمين: هل أنا أتناول الطعام في مكان فعلاً جيد؟ أم فقط في مكان يبدو جذّابًا للأجانب؟

في شنغهاي، على النقيض، إذا رأيت الناس يصطفون أمام مطعم أو يملأون المكان، فغالبًا ما يكون الطعام رائعًا فعلًا، لأنه حتى في المناطق السياحية، معظم الزوار هم من السكان المحليين. وهذا ما يحافظ على الأسعار معقولة، ويجعل الطعام أصيلًا وغير مُصطنع.

3. الإقامة في اليابان مكلفة بشكل صادم مقارنة بالصين

لقد سافرتُ كثيرًا، ويمكنني القول بثقة إن اليابان تضمّ بعضًا من أغلى أماكن الإقامة التي صادفتها على الإطلاق، لا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار ما تحصل عليه مقابل ما تدفعه فعليًا. صادف أن زيارتي تزامنت مع “أسبوع غولدن ويك” (Golden Week)، وهي فترة ذروة للعطلات في اليابان، لكن حتى مع وضع ذلك بعين الاعتبار، كانت الأسعار باهظة إلى حدٍّ غير معقول.

دفعت نحو 83 دولارًا أمريكيًا (أي ما يقارب 112 دولارًا سنغافوريًا) لليلة الواحدة مقابل سرير كبسولة داخل غرفة نوم مشتركة تضم عشرة أشخاص في طوكيو. نعم، كبسولة بمساحة مترين في متر واحد، داخل غرفة جماعية، مقابل ما يقارب مئة دولار في الليلة. مكثت هناك ثلاث ليالٍ، وشعرت أن التكلفة كانت مبالغًا فيها إلى حدٍّ مُربك، بل ومزعج.

أما في شنغهاي، فكانت التجربة مختلفة تمامًا؛ فقد أقمت في نُزل يُضاهي ما وجدته في طوكيو من حيث المستوى، مقابل نحو 17 دولارًا أمريكيًا (23 دولارًا سنغافوريًا) فقط لليلة الواحدة. كانت المرافق، ومستوى الجودة، والموقع المركزي جميعها متكافئة. في طوكيو، أقمت في UNPLAN بمنطقة شينجوكو، واحد من أشهر النُزل في المدينة. أما في شنغهاي، فاخترت DAYIN Hostel، الذي يتمتع كذلك بتقييمات مرتفعة وموقع مركزي. الفارق؟ في شنغهاي، التكلفة كانت أقل بمقدار خمسة إلى ستة أضعاف.

علاوة على ذلك، كان من الأسهل ببساطة حجز أماكن الإقامة في شنغهاي. الخيارات كانت أكثر تنوعًا وتوفرًا، وكانت هناك مجموعة أوسع من الأماكن بأسعار معقولة، حتى في المناطق المركزية من المدينة. أما في طوكيو، فقد كانت الخيارات الرخيصة شبه معدومة عندما بحثت. كانت تجربة العثور على مكان للإقامة في اليابان أكثر توترًا وإرهاقًا، وهذا أحد الأسباب التي تجعلني أفضّل السفر في الصين.

4. بمجرد أن تتأقلم، النظام الرقمي في الصين فعال بشكل لا يُصدق

قد يتطلّب الأمر بعض الوقت للتعلّم في البداية، لكن ما إن تتمكّن من الدخول إلىالمنظومة الرقمية الصينية، وخاصة من خلال تطبيق WeChat، حتى تصبح كل الأمور ميسّرة بشكل مذهل. إنه تطبيق واحد يُدير كل شيء. تدفع من خلاله، تطلب الطعام، تحجز الخدمات، وتتفاعل حتى مع الشركات، وكل ذلك من داخل WeChat نفسه.

من الصعب أن نُبالغ في وصف مدى كفاءة هذا النظام. فعلى سبيل المثال، عندما تتناول الطعام في الصين، لا حاجة لانتظار النادل. كل طاولة مزوّدة برمز QR، تقوم بمسحه عبر WeChat، فتظهر لك القائمة مباشرة، تطلب ما تشاء، وتدفع فورًا من هاتفك. وما هي إلا لحظات حتى يصل الطعام إلى طاولتك. وعند الانتهاء، تنهض ببساطة وتغادر. لا طوابير للدفع، لا حاجة لتقسيم الفاتورة، ولا مجال للارتباك، فقط كُل وانصرف. الأمر بهذه السلاسة.

أما اليابان، في المقابل، فلا تزال تبدو عالقة في نظام تقليدي أبطأ. غالبًا ما تضطر إلى انتظار النادل حتى يأتي ويأخذ طلبك، وهو أمر يزداد إحباطًا في المناطق السياحية المزدحمة، حيث تعاني المطاعم من نقص في عدد الموظفين. تجد نفسك تواجه فترات انتظار طويلة، وأحيانًا أخطاء في الطلبات، وتأخيرات لا وجود لها في بيئة رقمية متكاملة مثل تلك الموجودة في الصين.

ثم هناك مسألة الدفع. لا تزال اليابان تعتمد بشكل كبير على النقد. فكل عملية شراء تنتهي بقبضة من العملات المعدنية، بما في ذلك فئات صغيرة مثل 1 ين. الأمر يبدو مرهقًا، وقديم الطراز، بل صراحةً يُشعرك بالتخلف مقارنةً بسرعة وسهولة مسح رمز QR والمضي قدمًا من دون عناء.

٥. الصين أقل تسويقًا واستهلاكًا سياحيًا، وهذا في صالحها!

إذا كنت من نوعية المسافرين الذين لا يرغبون في قضاء عطلة مريحة مفرطة الترف، مشبعة بالطابع التجاري، تحيط بك فيها جموع السياح بدلًا من السكان المحليين، فقد تكون الصين هي الوجهة المثالية لك.

اليابان، لا سيّما مدن مثل طوكيو وأوساكا وكيوتو، غالبًا ما تشعرك بأنها صُمّمت خصيصًا لتناسب السائحين. ففي العديد من المناطق السياحية الشهيرة—مثل شينجوكو (Shinjuku)، وأكيهابارا (Akihabara)، وأساكوسا (Asakusa)، وأوينو (Ueno)—ستشعر وكأنك من الأغلبية، إذ يشكّل السياح في هذه الأماكن ما يقارب 50% من الحضور، وأحيانًا تصل النسبة إلى 70–80% في أكثر المواقع ازدحامًا. يمكن أن تشعر أحيانًا وكأنك في نسخة مدينة ملاهٍ من البلاد.

أما الصين، فهي تجربة مختلفة تمامًا. حتى في شنغهاي، والتي تُعد دون شك المدينة الأكثر انفتاحًا وطابعًا دوليًا في الصين، فإنك لا ترى الكثير من السيّاح الأجانب. على سبيل المثال، في شارع نانجينغ (Nanjing Road)، أكثر الشوارع التجارية ازدحامًا في البلاد، أقدّر أن نسبة الزوّار الدوليين لم تتجاوز 10 إلى 15% من الحشود. إنه فارق صارخ بالفعل.
أنت تمشي بين السكان المحليين، وتأكل حيث يأكلون، وتعيش نسخة من الصين لم تُعد صياغتها لتناسب الذوق العالمي أو تُقدَّم كمحتوى استهلاكي للسياحة.

وإذا كنت من أولئك المسافرين الذين لا يكتفون بالتقاط الصور أمام المعالم السياحية، بل يبحثون عن تجربة تدفعهم إلى الخروج من منطقة الراحة، فإن الصين توفّر لك ذلك بكل وضوح. إنها، كما أحب أن أُسميها، “السفر في الوضع الصعب”.
أنت مُضطر للتعلّم، والتأقلم، والتفاعل مع السكان المحليين بطريقة نادرًا ما تتطلبها منك اليابان.
فاليابان، على الرغم من جمالها، تظل وجهة مثالية للمبتدئين في السفر. مساراتها مُعبّدة، وتجربتها سهلة، وموثّقة بكثافة.

هناك بالفعل ملايين المقاطع على يوتيوب عن اليابان، لا أحد بحاجة إلى واحد آخر!
أما الصين؟ فلا تزال على طبيعتها:خامّة، أصيلة، ومفعمة بالمفاجآت. قد لا تكون الخيار المثالي للجميع، لكنها بلا شك وجهة لا تُضاهى لمن ينشد التجربة الحقيقية بكل ما فيها من تحدٍ وواقعية.

6. كوني صيني سنغافوري، التواجد في الصين يعزز هويتي الثقافية

بصفتي سنغافوريًا صينيًا، فإن وجودي في الصين يُعزز هويتي الثقافية. قد لا ينطبق هذا على الجميع، وخاصةً غير الناطقين بالصينية، ولكن بالنسبة لي، فإن أحد أهم أسباب تفضيلي للصين على اليابان هو اللغة وما تُمثله. بصفتي سنغافوريًا صينيًا، أتحدث الماندرين، وإن لم أكن بطلاقة. ومثل العديد من السنغافوريين، أتحدثها بنسبة إتقان تتراوح بين 60 و70% – وهي نسبة جيدة بما يكفي للعيش، ولكنها بعيدة عن الكمال. ومع ذلك، أرحب بفرصة الانغماس في بيئة تُجبرني على التحدث بها.

في سنغافورة، تسود اللغة الإنجليزية. نادرًا ما تحتاج إلى التحدث بلغة الماندرين في حياتك اليومية. أما في الصين، فالماندرين هي اللغة الأساسية. هي وسيلتك للتنقّل، وطلب الطعام، وطلب المساعدة، بل لكل شيء تقريبًا. لا مفر منها. وبالنسبة لي، فهذا أمر إيجابي تمامًا.

وجودي في الصين أتاح لي فرصة اختبار وتحسين لغتي الصينية بطريقة لم أتمكن من تحقيقها في أي مكان آخر.
فالأمر لا يتعلق باللغة فحسب، بل بالهوية. التحدث بهذه اللغة يربطني بجذوري الثقافية، ويُذكّرني بأنه، مهما بلغ مدى تأثري بالثقافة الغربية، فإنني في نهاية المطاف صيني من حيث الأصل. وأرغب في التمسّك بذلك. لا أريد أن أفقد هويتي الشرقية.

أما اليابان، فلا تقدّم هذا النوع من الارتباط. فهم يتحدثون اليابانية، وبالتالي لا تتوفر نفس فرصة الانغماس الثقافي. لكن في الصين، شعرت بشيء يرسّخني، بشيء أعاد إليّ الشعور بمن أكون، ومن أين أتيت.

(اقرأ هذا الموضوع باللغة الانجليزية هنا)