لنكن صادقين: من كان في عام 2019 يتوقع أن كائنًا مجهريًا سيخرج من العدم ويقلب عالمنا رأسًا على عقب؟ ومع ذلك، ها نحن نتمسك بأمل أن يكون عام 2021 أفضل من سلفه، وأن تخرج البشرية جمعاء من هذا النفق الطويل القاتم!

لقد عانى قطاع السفر كثيراً بعد انتشار جائحة كورونا في العالم إذ تمّ إغلاق الحدود وأُرغم عددٌ من شركات الطيران على التوقف عن العمل لبعض الوقت، وأقفلت الفنادق والمرافق السياحية الأخرى أبوابها لفترات، ولم يعد مرحباً، في بعض الدول، إلا بالسفر الضروري مع الالتزام بسلسلة من الإجراءات والتدابير المُضنية أحياناً.

لكن، هل سيبقى الوضع على حاله في العام المقبل؟ هل سنسافر مجدداً؟ وكيف سيكون شكل السفر في المستقبل القريب؟

قد يكون هذا المستقبل لا يزال غامضاً بعض الشيء، إلا أنّ استشراف ما ستحمله الشهور القادمة أيضاً بات أسهل في ظلّ وفرة المعلومات واتضاح المشهدية العالمية أكثر. لذلك، وبفضل متابعتنا اليومية والدقيقة لأخبار السياحة والسفر والإحصاءات وآخر المعطيات المتعلقة بفيروس كورونا، سمحنا لأنفسنا بتوقع ما سوف تكون عليه الأحوال في العام 2021، لكن لا تحاسبنا طبعاً في حال سارت الأمور بشكل مختلف، فأحدٌ لا يعرف ما تُخبئه الأيام وعلينا دائماً توّقع المفاجآت…عساها مفاجآت مفرحة وسيناريوهات مفعمة بالأمل دائماً وأبداً!

فما هي توقعات السفر 2021؟

اللقاحات لن تكون العلاج الشافي في عام 2021

لقاحات كورونا لن تكون الضربة القاضية التي ستطحن مسامير الفيروس التاجي في العام 2021. 

فبحسب تصريحات صادرة عن مسؤولين في منظمة الصحة العالمية، فإن “تأثير اللقاح في توفير نوع من الحاجز المناعي لا يزال بعيد المنال”، معتبرين أن “الأشياء التي يجب القيام بها لمنع زيادة تفشي الوباء هي إجراءات الوقاية”.

من ناحية أخرى، لن يتمّ تطعيم جزء كبير من سكان العالم قبل منتصف عام 2021، وهو أمرٌ يساعد على الأقلّ على إبطاء انتقال العدوى.

وتعدّ التعقيدات اللوجيستية في عملية توزيع اللقاح والوقت المطلوب لإنتاج كميات كبيرة منه من بين الأسباب الرئيسية لعدم توّفره في أرجاء المعمورة في المستقبل القريب.

وعلى سبيل المثال أيضاً، يفتقر العديد من المناطق النامية والمتخلفة في العالم إلى البنية التحتية لتخزين اللقاح وتوزيعه إلى ملايين الأشخاص. سيشكل المناخ الأكثر سخونة في هذه الأماكن أيضًا تحديًا كبيرًا.

وعليك أن تضع في اعتبارك أيضاً أنه حتى لو كنت من القلائل المحظوظين الذين حصلوا على الجرعة الأولى من اللقاح، فلا يمكنك حقًا التجول بحرية بعد الجرعة الأولى، فمن المرجح أن تضطر إلى الانتظار لمدة 21 أو 28 يومًا لتلقي الجرعة الثانية.

وبينما تشيد وسائل الإعلام والقائمون على اللقاح بفعاليته بنسبة تفوق الـ 90٪، إلا أنّ هذه النسبة المئوية تقتصر على ثلاثة أشهر. الفعالية طويلة المدى، 12 شهرًا أقلّه، لا تزال غير معروفة وستظل كذلك حتى النصف الثاني من عام 2021 على الأقلّ.

هناك عقبة أخرى تكمن في ارتفاع مستوى انعدام الثقة العام لدى سكان الأرض. فحتى قبل تفشي COVID-19 ، كان ما يقرب من 20٪ إلى 50٪ من الناس في معظم البلدان ضد اللقاحات. أضف إلى ذلك تسييس الوباء،وضخّ كميات هائلة من المعلومات المضللة ، مما يزيد من تباين آراء الناس حول لقاح كورونا.

قائمة التحديات في تحصين 7.8 مليار شخص لا تنتهي عند هذا الحد، فقد تعرقل التعقيدات الجيوسياسية نشر لقاح COVID-19 أو تؤخره، مما يؤخر عودة الحياة إلى ما كانت عليه.

الاختبار السريع نجم عام 2021

يبدو أننا متفائلون للغاية حيال الاختبارات السريعة للمساعدة في مواجهة الجائحة. يمكن اعتبار اختبارات RT-PCR (تقنية الاستنساخ العكسي في الوقت الحقيقي-التفاعل البوليميري المتسلسل) المعيار الذهبي، لكن هناك حجة يمكن طرحها على أنها قد تكون حساسة للغاية بحيث لا تكون عمليّة أثناء جائحة طويلة.

وهنا يبرز اختبار المستضد السريع!

هذه الاختبارات تعدّ أسهل وأرخص لنشرها وإدارتها من اختبارات تفاعل البوليميراز المتسلسل أو اللقاحات، وأقل إزعاجاً وأكثر سرعة للحصول على نتيجة. كما أن الإنتاج الضخم سهل وسريع، ولا يتطلب سوى القليل من التكاليف المجتمعية: لا عمليات إغلاق، ولا انتظار، ولا شعبوية ومؤامرات!

الأهم من ذلك ، أن الاختبارات السريعة دقيقة للغاية في إظهار نتيجة إيجابية عندما يكون الشخص معديًا… وهذه هي النقطة الأساسية! فاختبار RT-PCR يعطي نتيجة إيجابية للشخص بسبب وجود بقايا الفيروس داخل الجسم لفترة،

حتى لو لم يكن يشعر بالمرض أو معدياً…لكن هل حقاً يشكل هؤلاء الأشخاص تهديدًا للمجتمع؟

يقوم المزيد من الخبراء والقادة السياسيين بتجربة هذه الفكرة في سلوفاكيا في أوروبا وجهات أخرى تشمل، حتى كتابة هذه السطور، مطارات في لندن وروما وشركات طيران مثل خطوط دلتا الجوية وفيرجن أتلانتيك.

ونظرًا لأن هذا النهج أثبت نجاحه ، فمن المحتمل أن يتم تنفيذ الاختبار السريع على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم بحلول نهاية الربع الأول من عام 2021.

سياسات أكثر فعالية في 2021

تباينت السياسات التي اعتمدتها الدول في مواجهة كورونا على مدى عام، 

بعضها نجح بشكل إلى حدّ ما، وبعضها ألحق خسائر فادحة طالت قطاعي الصحة العامة والاقتصاد على حدّ سواء، وطبعاً السياحة. لكنّ الجانب المشرق من هذا التنافر في الآراء والسياسات أدّى إلى خلق معرفة أكثر حول كيفية المواجهة، ويبدو أنّ الاختبارات واللقاحات السريعة توشك على أن تصبح أدوات قيمة في ترسانة صانعي السياسات الذين يقدمون حلولاً فعالة بأقل التكاليف الاجتماعية والاقتصادية.

 

السفر لن يكون كما كان عليه قبل كورونا

يمكننا أن نتفق جميعًا على أن السفر لن يكون كما عهدناه في السابق. ثمة أمور ستتغيّر وأخرى سوف تكون إلزامية أو ضرورية. ومن ضمن الأمثلة على ذلك:

  • اعتماد جوازات سفر جديدة أو جواز سفر صحي

ستبدأ البلدان في إصدار تصاريح سفر جديدة تشير إلى نتائج الاختبار أو التطعيم. إنّ هذا النوع من المستندات موجود منذ عقود مثل بطاقة كارتي جون أو البطاقة الصفراء وهي شهادة تطعيم دولية ضد الحمى الصفراء أصدرتها منظمة الصحة العالمية.

لكن ما سيكون مختلفًا هذه المرة هو الحجم الهائل لاستخدام مثل هذا الجواز الطبي ؛ إذ من المرجح أن تستخدم بطاقة سفر كورونا للسفر العالمي وكذلك داخل المدن حيث قد يستخدمها الأشخاص لتسجيل الوصول بشكل أسرع في المباني التجارية ومراكز النقل.

وجدير بالذكر أنّ شركة “كانتاس” الأسترالية كانت في مقدمة شركات الطيران التي كشفت إنها تدرس تغيير الشروط وأحكام تذاكر الطيران، حيث ستطلب نسخة من شهادة تلقي اللقاح لكل مسافر، مشيرة إلى أنها قد تطلب هذا الشرط للمسافرين القادمين إلى أستراليا، أو حتى المغادرين منها.

وكان الاتحاد الدولي للنقل الجوي “إياتا” قد أعلن نهاية نوفمبر عن تطويره وثيقة سفر رقمية تشمل معلومات فحص الراكب وتأكيد تلقيه اللقاح، وتهدف إلى تجنيب المسافر كثيرا من قيود السفر وإجراءات الحجر الصحي في البلاد التي ينوي زيارتها.ومن المتوقع أن يتم ربط معلومات تلقي اللقاح بجواز سفر الراكب بطريقة رقمية، لتسهيل الوصول إليها.

سيصبح الاختبار السريع أمرًا شائعًا في العديد من المناطق، مثل المطارات ومحطات القطار والمرافق الكبرى بغية التخفيف من المخاطر على الجميع.

  • أهمية النظافة

أحد أهم الدروس المستقاة من جائحة كورونا هو أهمية النظافة: غسل اليدين بانتظام وتعقيم الأماكن العامة والتنظيف الدقيق يقطع شوطًا طويلاً في الوقاية من الفيروس. سنرى أيضًا ممارسات نظافة أكثر صرامة في كلّ ما يتعلق بقطاع السياحة والسفر بما في ذلك خطوط الطيران ومترو الأنفاق والحافلات وما إلى ذلك.

  • صعود “السفر الانتقامي”

ترك التواجد في المنزل لعدة أشهر دافعًا مكبوتًا للسفر في عام 2021. يمكن وصف هذا الأمر بـ “السفر الانتقامي” حيث يلجأ الشخص إلى السفر ما إن تسنح له الفرصة بذلك.

ولعلّ أهمّ العوامل التي تساعد على تحقيق ذلك هو أن الأسر التي حافظت على دخل ثابت طوال الوباء بات لديها بالفعل الكثير من المدخرات التي يمكن أن تنفقها على السفر.

  • صعود السفر الفاخر

أحد النتائج الثانوية للسفر الانتقامي في عالم ما بعد الوباء هو صعود السفر الفاخر. مع ازدياد تعقيد السفر بسبب المتطلبات الصحية الإضافية، يمكن للمرء أيضًا اختيار وجهة وأماكن إقامة تستحق العناء.

  • السفر بغرض العمل قد يتأخر قليلاً

في حين أن السفر الترفيهي قد يعود إلى مستويات 2019 في أقرب وقت من العام المقبل ، يتوقع أن تستغرق رحلات العمل المنتظمة وقتًا أطول للتعافي نظرًا لأن الاجتماعات الافتراضية أصبحت الآن هي القاعدة.

  • الإقبال على إقامات بديلة 

ستتفوق أماكن الإقامة البديلة على الفنادق إذ غالبًا ما يُنظر إلى أماكن الإقامة الخاصة على أنها أقل خطورة من الفنادق الكبيرة المزدحمة التي تضم آلاف الضيوف.

  • تأمين السفر بات أكثر من ضرورة

فيما لا يزال الوباء منتشراً، يصبح من المستحسن الاستحصال على تأمين سفر يغطي تكاليف الاستشفاء في حالات الطوارئ والعلاجات الطبية، وتعمل كضمان ضد كل هذه النفقات الطارئة.

  • فتح الحدود للسياحة ليس شاملاً

إلى حين جلاء هذه الغيمة السوداء نهائياً، قد يظلّ بعض الحدود مغلقاً بشكل جزئي أو كليّ، فيما قد تفتح دول حدودها وجميع منافذها إثر تحسّن الأوضاع الصحية العامة فيها.

  • أسعار تذاكر السفر أرخص؟

قد تلجأ شركات الطيران إلى تخفيض أسعار تذاكر الطيران بهدف تشجيع الناس على السفر مجدداً. وحتى لو لم تفعل ذلك، فإنها بمعظمها اعتمد سياسات جديدة تتعلق بإلغاء الحجز أو تعديله، وما يعني ذلك من تعويض على المسافرين.

 

في الخلاصة، يبدو أن الأمل في انتعاش قطاع السياحة والسفر حاضرٌ بقوة، لذلك احزم حقائبك وابق دوماً مستعداً للانطلاق في مغامرات وتجارب جديدة.