هل طرأ لك تصوّر لحياة مثالية؟

حدث لي ذلك منذ بضعة سنواتٍ تقريباً. تتبلوَر الفكرة بشكل عام حول امتلاك بيت ضيافة ومقهىً صغير على أحد الشواطئ الناعمة، أديره بنفسي لستة أشهر، ثم أسافر بقية العام. لماذا هذا الحلم؟ أوه! لأسباب كثيرة. تخيل أولاً الاستيقاظ على صوت الأمواج يومياً. ثم تخيّل إنهاء يومك بغروب بديع على الشاطئ. وبالطبع، الأعداد الكبيرة من الرحالة الذين سألتقيهم يومياً.  مازال حلماً؛ لأنني مازلت أبحث عن الشاطئ المثالي. 

في رحلة البحث هذه، قررت العيش شهراً كاملاً في جزيرة شبه معزولة، أو لنقُل، محدوة الموارد. اخترت جزيرة تيومن في ماليزيا، من بين كل الجزر في جنوب شرق آسيا. زرت هذه الجزيرة مرات قليلة في سنوات إقامتي في ماليزيا، لكنني زرتها كسائحة، ثلاث أو أربع ليالٍ بالكاد أعرف خلالها شيئاً عن المنتجع الذي أقيم فيه. ولم تكن أياً من هذه الزيارات سبباً لتكوين تصوّر كاملٍ عن الجزيرة.. لذلك، اخترت الإقامة المطوّلة فيها. 

ولأنني رحّالة اقتصادية، لم يكن من المعقول الإقامة في الجزيرة شهراً كاملاً. تخيّل إلى أين ستصل مصروفات السكن والطعام يومياً، خاصة في منطقة سياحية كهذه. ما الحل إذن؟ التطوّع بمقابل غير مادي! استخدمت موقع Workaway في فيتنام، وكمبوديا سابقاً. وهذه المرة الثانية التي أستخدمها في ماليزيا لهذا النوع من السفر والعمل.

وقع اختياري على مركز للتدريب على الغوص والذي يتبع له مركز للحفاظ على الشعاب المرجانية. يمكنك الآن تخيّل حجم السعادة التي تصوّرتُ أنني سأعيشها خلال ذلك الشهر. وإن كنت تعرفني جيداً، ستعرف حبي العميق للشعاب المرجانية، وأسماك القرش. ازداد تعلّقي بها أكثر خلال رحلات الغوص في أستراليا وجنوب شرق آسيا. أوه! هل أخبرتك عن تجربة الغوص الحر في جزر راجا أمبات في إندونيسيا؟ لا بأس، سأحكيها لك في وقت آخر. دعني أكمل حكاية جزيرة تيومن الآن! 

يمكنني تلخيص الروتين اليومي هكذا: الاستيقاظ في السابعة صباحاً مع شروق الشمس، ثم الإفطار مع الفريق والعمل لأربع ساعات تقريباً. تنتهي في الثانية عشر ظهراً الفترة المخصصة للعمل، لأقوم بإعداد غداء خفيف، ثم الوقت المخصص لأعمالي الكتابية والترجمة اليومية. ثم ماذا؟ الثالثة والنصف من كل يوم هو موعدي مع الشعاب المرجانية، الأسماك، والبحث عن السلاحف.. وبالطبع؛ تدريبات الغوص الحر. ساعتان من السباحة كافية لأن تجعلني أبحث عن مكانٍ ما للاسترخاء وقراءة كتابٍ ما، قبل أن يحين موعِد العشاء. هل يبدو لك هذا الروتين مملاً؟ حسناً، كانت هناك عدة زيارات إلى الغابات المجاورة، تسلّق وسباحة في الشلالات القريبة من منطقتنا، وزيارات لمشروع السلاحف في جزيرة تيومن.

تعرف ما الممتع في العمل التطوعي هذه المرة؟ أنه لم يكن بالنسبة لي عملاً بالكامل! الساعات التي أقضيها في الحديث مع المتدربين الآخرين عن رحلاتنا وأفضل مناطق الغوص التي زرناها، ناهيك عن عمليات التنظيف الأسبوعية للشعاب المرجانية التي نحاول استزراعها والمحافظة عليها. كل ذلك لم يمكن بالنسبة لي عملياً حقيقياً. حسناً، كانت هناك أعمال أخرى تتعلق بإصلاح ما هو معطوب في مركز الغوص، أو حتى إعادة استخدام الأخشاب القديمة لصناعة لوحة خشبية، أو حتى الجدول اليومي لتنظيف المركز. لكنها كانت جميعاً أموراً جيدة لاستكشاف قدراتي في هذا النوع من الأعمال التي لم أجربها من قبل. الأكثر متعة من كل هذا هو التعلّم أكثر وأكثر فيما يخص الشعاب المرجانية، ما الذي يؤثر فيها سلباً، كيف نحميها من مشكلة الانحباس الحراري، وكيف نساعدها على النمو بشكل أفضل. كانت مُتعي الصغيرة تتمثّل في السباحة مع الأسماك كل يوم، حتى وإن كانت من الأصناف نفسها.

تعلم!.. حدث مرة أن غصت في عمق يصل إلى 20 متراً، أعلم، لم يكن عميقاً جداً.. لكن سمكة ما كانت تتبعني وتسبح حولي وتحاول شدّ انتباهي لها (على ما أظن) بقرصاتٍ صغيرة. استمرّ الأمر لعشر دقائق تقريباً حتى خرجت من منطقتها إلى منطقة اخرى أقل عمقاً.

كان الأسبوع الأخير أكثر هدوءاً من حيث الأعمال المطلوب مني إنجازها. منحني ذلك وقتاً كافياً لقضاء وقت أطول مع الزائرين والغواصين الآخرين. اتفقنا يوماً ما للذهاب جميعاً في رحلة قصيرة للعَوم، بحثاً عن السلاحف، خاصة مع انضمام سائحين جديدَين إلينا. بعد فترة وجيزة من السباحة، وجدنا أنفسنا متحلّقين حول سلحفاة كبيرة في السن، هناك الكثير من الخدوش على صدفتها. وجدناها تأكل من الشعاب المرجانية الرخوة، والأعشاب البحرية. توقفنا جميعاً عن السباحة، لنتأملها بعمق. فيما السعادة والامتنان يملآن صدري.. كنا سبعة أفراد، متحلّقين حولها بهدوء تام، حتى لا نزعجها. أذكر ضحكتي الممتلئة طفولة حينما رأيتها تصعد لسطح الماء للتنفس، سبحت حولها لعدة ثوانٍ وأنا في قمة سعادتي حينها. 

هل أشتاق إلى جزيرة تيومن؟ كل يوم!

سأعيد التجربة في مكانٍ آخر، مصحوبة بمغامراتٍ أخرى شبيهة بهذا.. حتى أجِد تلك الجزيرة التي يمكنني بناء حلمي فيها. 

خطط رحلتك الآن بأفضل سعر إلى ماليزيا