ثمة أماكن تسكنك مهما سكنت غيرها.
دعني أقصّ عليك بضعة مشاهد، كأنها الحلم، ذلك الذي كان، هذا الذي لا يفارق.

إنك الآن، وبينما أقص عليك، تستعدّ للسفر إلى دهب، تلك القطعة التي تركت قلبي لديها وديعة، تحرسه من روث الأماكن الأخرى.
استعدّ، وثق أنّك ما إن ذهبت إلى هناك، فلن تعود كما كنت.

(مشهد ١) ليلة صيفية بعيدة

في مساء تلك الليلة البعيدة، كنتُ أحدّق في شنطة السفر الحمراء، المعتّقة بالفلفل الأسود، كي لا تأكلها العتّة، وأتساءل: هل أُلغيت الرحلة؟!

مرّ نهار تلك الليلة استثنائيًا، سريعًا، كومضة خافتة. ظلاله ناعمة، والملابس ارتحلت من الدولاب إلى الشنط كأنها في زفّة عروس. نعم، فالليلة سنسافر إلى دهب لأول مرة.

حلّ الليل، وقارب على الانتهاء، ولم نسافر بعد. بدأ الحلم في التلاشي.

وأنا أتهيأ للنوم كطفل حزين، يشعر بإحساس لا يعرف له اسمًا، لاحقًا حين كبرت، أدركت أن اسمه “خذلان”، كان صوت التلفزيون الصغير يأتيني بأغنية “والله بحبك موت يا حمادة” للمغنية جواهر، حينها رنّ الهاتف: مكالمة تخبرنا أن ميكروباص السفر على وشك الوصول!

لم تُلْغَ الرحلة إذًا. فللفرح مفاجآته السعيدة.

ومنذ تلك الليلة، صرت أربط أحداث حياتي بالأغاني، والملابس، والألوان.

(مشهد ٢) في الميكروباص، في الأتوبيس

كل الطرق تؤدي إلى الجنة.
كل الطرق تؤدي إلى دهب.

حين تعبر نفق أحمد حمدي، وتتخيل أنك تعبر أسفل بحر قناة السويس، من إفريقيا إلى آسيا، تشعر بصوت الموج يداعب زجاج الميكروباص، كأنك في غواصة. ثم تصل إلى أولى حبات رمل سيناء.

طريق الميكروباص اختلف عن الأتوبيس. ربما كانت تلك المرة هي الأمتع. مررنا على نويبع، واستنشقت رائحة الريحان لأول مرة، ورأينا المعتمرين بثيابهم البيضاء يستعدون لاستكمال رحلتهم البرية نحو الأراضي المقدسة.

مررنا بمشارف طابا، وسانت كاترين. هناك، تشعر بالرهبة. ترى الجبال منحوتة، مرسومة بوحي من البحر المطلّ عليها. وأنت في المنتصف، يحيطان بك كأنهما يرافقانك، يدعوان لك بسلامة السفر، ومتعة الرحلة.

تصل إلى بوابة دهب، بوابة الجنة. تعبرها، ترى البحر عاليًا، والطريق ينزلق إليه بلهفة، مثل طفل يركض نحو أبيه الغائب.
تود لو تقفز من مقعدك إلى البحر مباشرة. تهبط من السيارة، تلامس قدماك الأرض، تشعر برجفة تسري من قدميك إلى قلبك، كأنك لم تطأ أرضًا من قبل.

نعم، هذه أرض ليست كأي أرض. إنها أشبه بالجنة.

الآن، تتر البداية الممتع ينتهي، ويُعلن بدء الفيلم.

(مشهد ٣) في الفندق

على مدار زياراتي إلى دهب، مكثت في عدة فنادق، يسمّونها هناك “كامب”. غرف من طابق أرضي، كل واحدة تطلّ على حديقة صغيرة، تؤدي إلى فسحة واسعة، ثم إلى أرض أكثر اتساعًا، متموجة ومتصلة.

ترى الخُضرة من حولك، والجلسات العربية موزّعة كأنها ورود على فستان مطرّز، تتخللها الأراجيح، وحمّامات سباحة صغيرة، منبسطة، ثم طريق قصير يقودك إلى البحر.

قد تكون نزلت في أرقى فنادق العالم، لكن لفنادق دهب روحًا خاصة، نكهة لا تُنسى.

أفضل فنادق دهب

  • دهبية كامب: تجربة أصيلة للإقامة في أكواخ بسيطة مطلة على البحر مباشرة، مع جلسات عربية وهدوء يُشبه همس الصباح.
  • سنسيت كامب: مكان يجمع بين البساطة والموسيقى، حيث تقضي أمسيات هادئة بين أشجار النخيل ومشروبات دافئة تطل على البحر.
  • أكاسيا دهب هوتيل: فندق متوسط يوفر غرفًا مطلة على المسبط، مع مسبح صغير ومطعم يقدم أطباقًا محلية.
  • فندق سويس إن ريزورت دهب: يقع هذا الفندق على شاطئ خاص ويوفر تجربة فاخرة لعشاق الغوص والهدوء. يتميز بغرف مطلة على البحر الأحمر، ومسبح خارجي، ومطعم يقدم أطباقًا عالمية.
  • فندق كورال كوست دهب: فندق بوتيكي هادئ يقع على خليج خاص، يتميز بأجوائه البسيطة والمريحة، ومناسب لمن يبحثون عن تجربة محلية أصيلة مع إطلالة خلابة على الجبال والبحر.
  • بلو بيتش كلوب: فندق محبب للغواصين، يطل مباشرة على البحر ويضم مركز غوص ومسبحًا ومطعمًا بسيطًا بأجواء ودودة.
  • فندق نيسيمة: يتميز بموقعه في قلب الممشى السياحي، يضم مسبحًا وحديقة وجلسات هادئة قريبة من المطاعم والأسواق.

(مشهد ٤) على البحر

في الصباح، والهدوء يعمّ المكان، تجلس أمام البحر، تسمع صوت موجة محمّلة برسالة لك:
هيّا، تعال، ذق طعمًا لن تتذوقه بعدي.

أقسم لك، يا صديقي، رغم أنني سبحت في خليج السويس، وفي رأس صدر، وفي بحر الإسكندرية، وفي مياه الساحل الشمالي، لم أشعر بلذّة السباحة كما شعرت بها في دهب.

إنها زرقة ليست كأي زرقة، وملمس الماء ليس كأي ملمس.

هل تعرف أسطورة الندّاهة؟ تلك التي تخرج من المياه وتُغري الرجال، فيذهبون إليها ولا يعودون؟
هكذا هو بحر دهب. حين تقوم بسنوركلينج، تندهش من الجمال، ترى الشعاب المرجانية كبيوت، وكهوفًا منزلقة، تتعمّق، وترى ألوان الأرض جميعها في الشعاب، في الأسماك، والماء يزينها.

لا تود المغادرة. تود لو أنك صرت كائنًا بحريًا، تقضي حياتك ها هنا.
أظن، لو أن كائنات البحر في دهب تكتب وتنطق، لكتبت ونطقت شعرًا.

دع في قلبك حيّزًا للدهشة، فالبحر هناك لم يبح بكل أسراره بعد.

(مشهد ٥) ليل خارجي، على الممشى السياحي

“المسبط” هو اسمه الشائع بين سكان المدينة. كورنيش طويل يوازي البحر، تصطف على جانبيه المطاعم والمحلات والبازارات. يحميها الجبل من فوق، وتحميهم السماء.

وإن كان مكان إقامتك يبعد قليلاً أو كثيرًا، لا تقلق. لن تشعر بأي تعب وأنت تسير نحوه.

في الضوء الخافت، تسمع صوت البحر، ترى القمر ينعكس على مائه، ترى النجوم ترسم لوحات فنية في السماء.

تدنو من الأضواء، فيأسرك السحر. تتمنى لو أن لك عيونًا بعدد ما حولك، حتى لا يفوتك شيء.

ترى الأواني، المشغولات السيناوية، الأسماك الطازجة، رائحة العطارة، رائحة السمك المشوي، ومزيج من الروائح والألوان والبسمات.

تمشي؟ تجلس؟ تأكل؟ أيًا كان ما تختاره، فلن يفوتك السحر.

كانت أمي، ونحن نسير، تلتقط بلحات من النخيل، وتقول: كي نعود العام القادم.

أماكن السهر والمقاهي في دهب 

  • كلوب ريد كافيه: مقهى شهير يطل على البحر مباشرة، يقدم مشروبات منعشة وموسيقى حية في أمسيات ممتعة.
  • لازاروس بار: ملتقى المسافرين من كل أنحاء العالم، حيث العزف الجماعي وأجواء فنية ساحرة تمتد حتى منتصف الليل.
  • مصطبة كافيه: مكان بسيط بأجواء ودودة، يقدم شاي النعناع والقهوة التركية، وتطل شرفته الصغيرة على البحر.
  • يوسف كافيه: مقهى مميز بتصميمه البدوي، يشتهر بجلساته العربية وأرجوحاته المطلة على الممشى السياحي.
  • كافيه يالا بار: يعد من أشهر أماكن السهر في دهب، بأجوائه الحيوية وموسيقاه الحية وعروض الدي جي. يقدم المشروبات والعصائر المنعشة.
  • مطعم وكافيه لايت هاوس: مكان مثالي للسهر بهدوء، يتميز بإطلالته على البحر وأجوائه الدافئة، يقدم أطباقًا خفيفة ومشروبات متنوعة.

(مشهد ٦) صباح يوم جمعة

ربما لا تجمعني صورة واحدة مع أبي.
ربما ذكرياتي معه قليلة؛ فقد تركني ورحل، وأنا على مشارف العمر الذي يصاحب فيه الأبُ ابنَه.

في صباح الجمعة، في دهب، أذهب معه إلى المسجد، ثم نجلس في مقهى بسيط.
يشتري لي الجريدة، يطلب لي مشروبًا مثلّجًا، ويصبّ من قدحه الكبير قليلًا من الشاي في كوب صغير، كي يبرد ويحلو مذاقه.

ثم نقوم لشراء وجبة الغداء.
كنت أحب هذا الصباح تحديدًا، لأنه مع أبي، ولأنني أرى المدينة في الصباح.

بعض المدن تتألق ليلًا، وأخرى نهارًا، أما دهب، فتتألق دائمًا.
في الصباح، تكون الحركة خافتة وناعسة، خفيفة، لطيفة، زرقة البحر تطغى على أشعة الشمس، والهواء منعش رغم حر الصيف.
ألوان المساء تظلّ عالقة، فتجعل كل شيء لامعًا وأنيقًا.

(مشهد ٧) رحلة إلى البلو هول

في زيارتي الأولى، ظننت أنه بحر ككل بحر، لكنه كان شيئًا آخر.

منذ أن تتحرك السيارة ذات الدفع الرباعي، وتخترق الجبل، تمرّ بين مرتفعين صخريين، وتُكمل طريقها صاعدة، على يسارك جبل، وعلى يمينك خواء، تشعر بالإثارة، بالتشويق، بالرهبة الجميلة.

وعندما تصل، تشعر كأن الله انتهى من تشييد الدنيا منذ لحظات:
جبل، وبحر، وشمس، وجلسات بسيطة، وصخر دافئ من ضوء الشمس، منحوت من كثرة الجلوس عليه.

تنزل إلى البحر، وفي اللحظة الأولى يخذلك المشهد، لا جديد، لا شيء يستحق هذا العناء.
لكن تمعن النظر، فتجد بقعًا زرقاء، ترى الغطّاسين يهبطون فيها.
تتمعن في إحداها، تجد زرقة عميقة لا نهاية لها، وأسماكًا ملونة تبتسم لك.

تهبط، فتدخل عالمًا استثنائيًا، بألوان لم ترَ مثلها من قبل.

هنا، يتوافد الغوّاصون من كل أنحاء العالم.

وبلو هول أو “الحفرة الزرقاء” إذا لم تكن سمعت عنه من قبل هو أشهر موقع غوص في دهب والعالم، يتميز بعمقه الكبير الذي يصل إلى أكثر من 100 متر ولونه الأزرق العميق الذي يجذب الغواصين من كل مكان. يعتبر وجهة أساسية لعشاق المغامرة والغوص الحر، ويحيط به عدد من الكافيهات البسيطة التي تقدم الشاي البدوي والمأكولات المحلية.

(مشهد ٨) في مطعم السمك

أتذكّر أول مرة ذهبنا فيها إلى مطعم سمك، كنت مع أمي، وتذوّقت طعامًا بحريًا لم أذق مثله، رغم براعتها في الطبخ.

ثم أخذنا أبي لاحقًا إلى مطعم آخر.
دخلت ممتعضًا، فالمطعم ليس على البحر، لكن صوت أغنية “جوة حضنك” هدّأني، جعل قلبي يرقص.
كانت تلك رقصة حب، أدركتها لاحقًا.

جاء الطعام… يا إلهي! أهذا طعام أهل الجنة؟

امتلأت الطاولة بالمقبلات، الحساء، والأطباق الرئيسة.
كم يدًا تحتاج؟ كم فمًا لتقبّل كل هذا الجمال؟!

أفضل مطاعم دهب… نكهات البحر والبر

  • ملك السمك: مطعم شعبي تختار فيه السمك بنفسك، يشويه الطاهي على الفحم ويقدمه مع السلطات والمقبلات.
  • شاركيز رستورانت: مطعم راقٍ يقدم المأكولات البحرية والسوشي، مع إطلالة مباشرة على البحر.
  • أثينا رستورانت: مطعم يوناني صغير يقدم أطباقًا متوسطية مثل السلطة اليونانية وجبنة الفيتا، بإطلالة رائعة على الميناء.
  • رامز أند بولا: مطعم شهير بأطباقه النباتية والفيجيتيريان، يضم جلسات مريحة وسط حديقة صغيرة.
  • مطعم علي بابا: مطعم شعبي يقدم المأكولات البحرية الطازجة والأطباق المصرية، يقع على الواجهة البحرية ويوفر جلسات ممتعة بإطلالة رائعة.
  • مطعم كينج تشيكن: يشتهر بتقديم الدجاج المشوي والأطباق السريعة بأسعار معقولة، ويعد من الأماكن المفضلة لدى الزوار والسكان المحليين.
  • مطعم شمس: مطعم نباتي وصحي يقدم أطباقًا شرق أوسطية وعالمية، ويشتهر بأجوائه الهادئة وجلساته المطلة على البحر.

(مشهد ٩) بلو لاجون

في الزيارة الأخيرة، ذهبت إلى هناك، ولم أعد. ولم نعد.

سبع سنوات، وثمان زيارات، ظننت أن دهب باحت لي بكل أسرارها… حتى ذهبت إلى بلو لاجون.

خليج صغير، بحيرات ضحلة على الشاطئ، ممر ترابي ناعم، وبحر بلا صخور.
خلعت ملابسي، نزلت، وسبحت.

رأيت القاع قريبًا، ثم بدأ يتلاشى، وغابت ملامحه، وازدادت الزرقة… زرقة… فزرقة.
وكان الوداع. ربما كانت إشارة. فهمتها لاحقًا.

كانت آخر زيارة لي.
آخر لمسة لمياه دهب. ولم أعد كما كنت.

ربما في هذه المرة، لم تلتقط أمي بلحًا من النخيل.

 

أتعلم يا صديقي؟
ما زلت حتى هذه اللحظة، أودّ أن أمتلك بيتًا صغيرًا في دهب،
أعيش فيه ما تبقّى من حياتي.

الآن أتركك لتكمل استعداداتك.
احمل معي رسالة إليها:

قل لها السلام عليكِ، طيبتِ،
اذكريني إذا جاء الصيف وحمئت الشمس،
اذكريني عند الغروب،
وعند المساء،
وعند بزوغ القمر،
وعند شاطئ البحر.
اذكريني،
فإنني سأعود لكِ، حتمًا،
حتى لو بقي من العمر لحظة واحدة!